إخوان الصفاء

81

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

آيسا من روح اللّه ، قنوطا من رحمته ، كما ذكر اللّه : « ومن الناس من يعبد اللّه على حرف فإن أصابه خير اطمأنّ به » . إلى آخر الآية . فصل في الزهد في الدنيا والرغبة ومن شرائط الإيمان وخصال المؤمنين الزّهد في الدنيا والرّغبة في الآخرة كما رغّب اللّه تعالى نبيه ، صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « وللآخرة خير لك من الأولى » . وقال : « بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى » . وآيات كثيرة في القرآن في التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة . واعلم يا أخي أن الإنسان مطبوع على أن لا يترك النفع الحاضر العاجل ويزهد فيه ، ويطلب الغائب الآجل ويرغب فيه ، إلّا بعد ما يتبيّن له فضل الآجل على العاجل . واعلم أن المؤمنين والحكماء والأنبياء إنما زهدوا في الدنيا وتركوا عاجل شهواتها ، ورغبوا في الآخرة وطلبوا آجل نعيمها ، لما تبيّن لهم حقيقة الآخرة ، وعرفوا فضل نعيمها على نعيم الدنيا ، وشاهدوها بعيون قلوبهم ونور عقولهم كما شاهد أبناء الدنيا أمورها بحواسّهم . واعلم يا أخي أن الطريق إلى معرفة حقيقة الآخرة ، ومشاهدة أحوالها ، بالاعتبار والتفكر في أمور الدنيا ، والمقايسة بينها وبين أمور الآخرة بالعقول السليمة من الآراء الفاسدة ، والنفوس الصافية من الأخلاق الرديئة ، ونتائج المقدّمات الصحيحة الضرورية . بيان ذلك أن العاقل اللبيب ، إذا فكّر في قول الجمهور من الناس ، وتسميتهم هذه الدار التي نشأوا فيها باسم الدنيا ، وذمّهم نعيمها ، يدلّ على الدار الآخرة وشرفها ، لأن لفظة الدنيا تدلّ على الأخرى ، كما أن لفظة الأخرى تدلّ على الأولى لأنّهما من جنس المضاف . ومن وجه آخر إذا اعتبرت أحوال الناس في الدنيا وجدتهم كلّهم طائفتين : أخيارا أو أشرارا . فأما الأخيار فهم الذين يعملون من أعمال ما رسم لهم في